محمد هادي معرفة
86
التمهيد في علوم القرآن
المبحث الأوّل : في الإشارة إلى ضبط المذاهب في وجه الإعجاز فنقول : كون القرآن معجزا ليس يخلو الحال فيه ، إمّا أن يكون لكونه فعلا من المعتاد ، أو لكونه فعلا لغير المعتاد ، فالأوّل هو القول بالصّرفة ، ومعنى ذلك أنّ اللّه تعالى صرف دواعيهم عن معارضة القرآن مع كونهم قادرين عليها ، فالإعجاز في الحقيقة إنّما هو بالصّرفة على قول هؤلاء ، كما سنحقق خلافهم ، في الرد عليهم بمعونة اللّه تعالى ، ونذكر من قال بهذه المقالة ، وإن كان الوجه في إعجازه هو الفعل لغير المعتاد ، فهو قسمان : القسم الأوّل : أن يكون لأمر عائد إلى ألفاظه من غير دلالتها على المعاني ، ثم هذا يكون على وجهين : أحدهما : أن يكون مشترطا فيهم اجتماع الكلمات وتأليفها ، وهذا هو قول من قال : الوجه في إعجاز هو اختصاصه بالأسلوب المفارق لسائر الأساليب الشعرية والخطابيّة ، وغيرهما ، فإنّه مختصّ بالفواصل والأسجاع ، فمن أجل هذا جعلنا هذا الوجه مختصّا بتأليف الكلمات . وثانيهما : أن يكون إعجازه لأمر راجع إلى مفردات الكلمات دون مؤلّفاتها ، وهذا هو رأي من قال : إنّه إنّما صار معجزا من أجل الفصاحة ، وفسّر الفصاحة بالبراءة عن الثقل والسّلامة عن التعقيد ، واختصاصه بالسلاسة في ألفاظه . القسم الثاني : أن يكون إعجازه إنّما كان لأجل الألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني ، وهذا هو قول من قال : إنّ القرآن إنّما كان معجزا لأجل تضمّنه من الدلالة على المعنى ، وهذا القسم يمكن تنزيله على أوجه ثلاثة : الوجه الأوّل : أن تكون تلك الدلالة على جهة المطابقة وفيه مذاهب ثلاثة : أوّلها : أن يكون لأمر حاصل في كلّ ألفاظه ، وهذا هو قول من قال : إنّ وجه إعجازه ، هو سلامته عن المناقضة في جميع ما تضمّنه .